فوزي آل سيف
379
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
أن يجتنبوا الطريق لكيلا تطأهم الفرس!!. أصيب بعض الرجال بالدهشة، وغيرهم بالوجوم، وصفق آخرون على أيديهم أسفاً وحزناً:- جنّ بهلول!! العالم الواعي، الذي لا يجاريه في مضمار العقائد والبحوث الدينية أحد.. اختل! وفقد السيطرة على أعصابه.. ربما لم يحتمل عقله هذا الكم الكبير من المعلومات فأثر على توازنه العقلي!!. وانتشر الخبر بين الناس، كالنار في الهشيم، جنّ بهلول!! جنّ بهلول. ووصل الخبر إلى قصر الخلافة.. بهلول بن عمر الصيرفي صاحب الإمام الكاظم أصيب بالجنون! واعترضت وجه هارون ابتسامة غامضة وقال: ما جنّ بهلول.. ولكن فر بدينه منا.([208]) هذه الحادثة غيرت حياة بهلول الصيرفي إلى أن توفي، غيرت الظاهر منه، لتبقى على الدور الأساسي الذي كان يقوم به قبلئذٍ في تبليغ العقائد الحقة، بل لتضيف إليه دوراً جديداً لم يكن في السابق، وذلك هو المعارضة السياسية غير المباشرة.. لم يكن قد فرّ بدينه ليقبع في زاوية السلبية، بل كان يتحرك في المجتمع هنا وهناك، ناشراً الوعي والطرفة والتعليق السياسي، وكل ذلك ضمن إطار الشخصية الجديدة، التي لولاها لما كان يمكن له القيام بكل هذه الأدوار مع ملاحظة الظروف السياسية آنئذٍ. هاهو يدخل المسجد وقد اعتلى المنبر- بعد أن أفرغ هذا المنبر وسواه من حضور أصحابه الحقيقيين- اعتلى المنبر أحد المشايخ من أئمة المذاهب وهو يخطب في الحاضرين: ثلاثة أشياء يقولها جعفر بن محمد لا تعجبني: - يقول أن العبد هو الفاعل لأفعاله وأقول إن الله هو خالق العبد وخالق أفعاله. - ويقول أيضاً إن الشيطان يعذب بالنار يوم القيامة، وأنا أقول كيف يعذب بالنار وهو مخلوق منها؟! ويقول إن الله تعالى لا يمكن أن يرى مع أنه موجود وأقول إن كل موجود يمكن رؤيته. وبالرغم من أن الناس عادة يستهويهم قول المناظرات، والدليل ونقضه خصوصاً إذا كان بالأسماء وعلى وجه التحدي، إلاّ أنه لم يدر بخلد أحدهم أن الرد سيأتي من بهلول الذي كان جالساً خلف أحد الأعمدة يستمع، ولم يتوقع أحد طبيعة الرد!!. ذلك أن بهلول قام في وسط المسجد وأخذ منه مدرة وصوبها جيداً وكأنها تعرف موقعها أسالت الدم من جبين المتكلم، وثار الهرج بين الناس، وقبض على الفاعل!! وعند الحاكم، بدأ يقرره عن اعتدائه، فأجابه: إنه لم يصنع شيئاً وأضاف: - إنه يقول إن الله هو خالق أفعال العباد، فما ذنبي؟! ويدعي أنه يتألم فليُرِني الألم إذا كان موجوداً، كما يزعم أن إبليس لا تؤثر فيه النار لأنه مخلوق منها، وهو مخلوق من التراب فكيف تؤثر فيه المدرة وهي من التراب؟!. ونظرا لأن الصراع السياسي بدأ يشتد بدءاً من أيام المنصور العباسي بين خط الأئمة وخط الخلافة العباسية، فقد لجأ العباسيون إلى»صناعة «نظرية تقضي بتفضيل العباس بن عبد المطلب وتقديمه على أمير المؤمنين علي (وما عشتَ أراك الدهر عجباً)!! و كان العباسيون يستفيدون من فرصة القمع الذي صنعوه والذي أدى إلى أن يتكلم الكثير من العلماء على ما عندهم من العقائد، وفي المقابل فسح المجال لكل ما من شأنه تضعيف خط الأئمة وإذا كان الكثير من العلماء لا يستطيعون نشر علمهم، فإن بهلول - بهذه الشخصية الجديدة- يستطيع ذلك، ويتقن «تمثيل «هذا الدور. لنقرأ ما يقوله التاريخ عن تلك المناظرة الطريفة بينه وبين عمرو بن عطاء العدوي فقد رأى جماعة يسرعون في المشي أمامه، فسألهم: لأي شيء تذهبون؟!. فقالوا إن عمرو بن عطاء العدوي من أولاد عمر بن الخطاب ومن علماء الزمان وقد حضر مجلس والي البصرة محمد بن سليمان ونحن نريد تحقيق حاله ومعرفة مبلغ فضله وكماله، وإن كنت تذهب معنا لتناظره كان ذلك حسناً. فقال بهلول: ويلكم مجادلة العاصي توجب زيادة جرأته على العصيان. فقال له محمد: لِم لا تتكلم؟!. فقال بهلول: أين للمجانين قوة تمييز هذه الأمور؟! دع عنك ما مضى وأصلح ما نحن فيه فإني جائع!
--> 208 )أعيان الشيعة 3/ 617..